نذير حمدان

192

حكمة القرآن والحضارة

فإذا التقت خصوصية الفرد بخصوصية التجربة فإن حكمة عظيمة تغني صاحبها وتغني المجتمع الذي يعيش فيه وتثري خبراتهم وتنمي قدراتهم ، وتصونهم من المزالق ، وترقى بهم إلى مستويات أفضل . إنهما ضروريتان للإصلاح الشامل والتغيير الكلي . تجارب وخبرات ووقائع قرآنية حكيمة ( طبيعتها - ألوان منها ) لا ندّعي أن التجربة القرآنية وبخاصة فيما يتصل منها بالأنبياء المشفوعة صراحة أو ضمنا بحكمتها يمكن أن تتساوى في مفهومها بالمعنى البشري العام أو بالمعنى التجريبي العلمي الخاص ، وإنما هي خبرات ووقائع عن حقائق الكون ومنها حقائق النبوة وفق الحكمة الإلهية تشبه في بعض صورها ما تعارف عليه مباني التجربة في الصيغ والأسلوب التجريبيين ، وفي الشكل العام في بعض الأحيان ، ولكن لا يمكن أن تخضع لعوامل الخطأ أو الصحة أو للتقلبات العرضية في الرفض والقبول أو تتعثر في الوصول إلى الحقيقة أو الغرض المطلوب مثل ما هي عليه في التجربة البشرية . إن التجربة القرآنية إن صح التعبير هي أحداث حقيقية الوجود ، يقينية المخبر ، حكيمة الغاية والمقصد ، وإذ أنها بهذا المفهوم الخاص بالقرآن تؤصّل التاريخ النبوي وقصص الرسل وتثبت الماضي مهما كان غائرا في مجاهيل السنين وتنبه إلى الحاضر والمستقبل بإيحاءات الحق والخير الخالدين . ومن نافلة القول أن نبرز ذلك على أنه تلوين بياني وأسلوب تمثيلي يؤكد إعجاز القرآن المبين . و ( الخبرة ) ألصق بصفات اللّه التي تليق به وحده فهو الحكيم الخبير ، حيث تكررت صفة ( الخبير ) 45 مرة في مسائل وقضايا كثيرة . وكذلك ( الواقعة ) ألصق بالفعل الإلهي المتفرد فهو الذي يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ومنه : الحق الواقع ، والدين الواقع ، والواقعة يوم القيامة . . . . والمهم في هذا وذاك هو ربط الحكمة الإلهية بكل واقعة أو خبرة ربطا مقصودا يطمئن النفس ويثلج الصدر ويقنع العقل ، وهو أيضا تعليم لنا ألّا نكتفي بالحقائق المباشرة والقريبة وإنما نتخذ تجارب نتحقق وراءها من الوقائع المطلوبة أو المتوقعة ،